29 مايو 2026

لماذا يصنّف بعضهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية نظاما استبداديا؟


بقلم: خالد شوكات

في تجارب الانتقال الديمقراطي التي عاشها العرب لفترة وجيزة بعد ثورات الربيع العربي، يفترض بالنخب السياسية والفكرية، خصوصا التيارات المرتبطة بمرجعية الهوية العربية الإسلامية لبلدانهم، اصطدامها ببعض الخطوط الحمراء فيما يتعلّق بالعلاقات مع الدول الغربية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي)، يمكن إيجازها في الأساسي منها كما يلي:
– حدود السيادة، والسيادة على الثروات والموارد الطبيعية
– حدود الحرّيات وطبيعة المجتمع على نحو قد يمس من الثوابت والأساسيات من قبيل: مجتمع الأسرة والقيم العائلية (في مقال مجتمع الفردانية/المثلية)، مجتمع الايمان (في مقابل مجتمع الإلحاد)…الخ
– الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي وقضية فلسطين
وهذه القضايا هي اشكاليات حقيقية تقع في قلب الصراع الفكري والسياسي ولا ابالغ إذا قلت بأن الانقلابات التي نفذت على تجارب الانتقال الديمقراطي قد نبعت بشكل أو بآخر من رحم هذا الصراع المتفجر ظاهرا وباطنا حول هذه القضايا..
وعلى الرغم من اختلاف السياقات بين الثورة الإسلامية في إيران وثورات الربيع العربي، فإن الأسئلة التي طرحت على إيران بعد اسقاط نظام الشاه كانت هي نفسها، ولكن الاختلاف الرئيسي في الحالتين كان وجود قيادة واضحة للثورة الإسلامية ممثلة في آية الله الخميني، الذي حسم النقاش في اتجاه نظام الجمهورية الإسلامية الذي حاول التوفيق بين بعدين:
– تمثيل الارادة الشعبية في مؤسسات منتخبة وتداول بين التيارين المحافظ والاصلاحي ومجلس شورى تعددي ورئيس جمهورية يقود السلطة التنفيذية وفصل بين السلطات..الخ:
– حارس أعلى لقيم الثورة الإسلامية لا يتدخل إلا إذا كان هناك ما يهدد القيم العليا: الطابع الإسلامي للمجتمع/ مواجهة المشروع الامبريالي/ الانحياز للقضية الفلسطينية وعدم التطبيع..
ومن هذا المنطلق كانت تجربة الجمهورية الإسلامية محاولة تاريخية لتطبيق “ديمقراطية إسلامية” تضمن استقلال القرار والالتزام تجاه قضية الأمة وحماية المجتمع من الاختراقات الغربية (الفردانية/الالحاد/المثلية..)..
وقد كانت هذه أيضا منطلقات تجارب أخرى في مناطق أخرى من العالم، من قبيل تجربة فنزويلا البوليفارية، خصوصا في جانب الاعتراض على النزعة الامبريالية للغرب، مع الحفاظ على قيم الديمقراطية (الحريات/الفصل بين السلطات..الخ).
يشار أيضا إلى ان تجربة “الجمهورية الإسلامية”في إيران، وإن كانت تبدو في ظاهرا اجتهادا من داخل الفكر السياسي الشيعي (ولاية الفقيه)، فإن الثابت لدى كثير من الباحثين أنها تجربة لم تخلُ من تأثر بالفكر السياسي السني ممثلا اساسا في أفكار سيد قطب وأبو الأعلى المودودي، فقد كان وعي “التمايز عن الغرب” مشتركا اسلاميا عبر الاختلاف المذهبي غالبا.
لكن يبدو أن الموقف من الجمهورية الإسلامية في إيران، التي استقبلت ثورات الربيع العربي في بدايتها باعتبارها امتدادا للثورة الإيرانية، قد تأثر بما يلي:
– البعد المذهبي او الخلاف السني / الشيعي الذي لعبت أطراف اقليمية ودولية على إذكائه لاعتبارات لا علاقة لها بالخلاف نفسه
– الصراعات السياسية على الصعيد القطري نفسه وتباين المواقف ازاء بعض الحوادث الكبرى من قبيل الثورة السورية
– مخلفات الحرب العراقية الإيرانية التي صاحبتها بروباغندا عدائية للثورة الإسلامية لم يتخلص منها العقل الجمعي العربي إلى اليوم.
ولكن هذا الحال لا يجب أن يحجب حقيقة أن مشكلة الغرب مع ايران الإسلامية لا يتمثل في ديمقراطيتها من عدمها، بقدر ما ينصب على موضوع سيادتها على قرارها وموقفها من فلسطين، وهو أمر ستواجه جميع القوى الرافضة للإمبريالية الغربية وللتطبيع مع كيان الاغتصاب، حتى ولو كان وصولها إلى السلطة قد جرى في سياقات “ديمقراطية” بالمقاييس الغربية، مثلما جرى في مصر أو تونس أو سواهما، ومثلما هو حال ديمقراطيات أخرى في العالم الإسلامي وضعت لها خطوط حمراء لا تتجاوزها خصوصا عندما يتصل الأمر بالقضية الفلسطينية..🤔

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Copyright © All rights reserved. | Newsphere by AF themes.