قراءة في كتاب محمد كريشان يروي.. وإليكم التفاصيل

بقلم: أبو جلال
يعتبر محمد كريشان أحد أنجب الصحفيين والإعلاميين التونسيين وأكثرهم شهرة، جراء تجربة مهنية ثرية تزيد عن الأربعة عقود، انطلقت وهو ما يزال طالبا جامعيا في معهد الصحافة وعلوم الأخبار، وتحديدا سنة 1979 عندما استهل مسيرته مع صاحبة الجلالة في واحدة من أهم التجارب الصحفية التونسية، ألا وهي جريدة “الرأي” المعارضة لصاحبها الوزير المصلح حسيب بن عمار، وانتهت به كأحد ألمع مقدمي البرامج والأخبار في إحدى أهم المؤسسات الإعلامية العربية والدولية “قناة الجزيرة” وما أدراك ما قناة الجزيرة، وهو من المجموعة التأسيسية فيها وأحد كبار الشهاد على تطورها ونمائها والأدوار الهامة التي لعبتها قطريا وإقليميا وعالميا على امتداد أكثر من ربع قرن على انطلاقها في العاصمة القطرية الدوحة.
وبين “الرأي” و”الجزيرة” مر محمد كريشان كصحفي شامل، مارس المهنة في مختلف أنواع الصحافة، المكتوبة والمسموعة والمرئية، بعدة محطات هامة من بينها إذاعات مونتي كارلو البارسية وبي بي سي اللندنية وهيلفرسوم الهولندية، وقنوات تلفزيونية عربية مثل أم بي سي، كما حافظ على نافذته في الصحافة المكتوبة عبر مقاله الاسبوعي في صحيفة القدس العربي وفي صحف أخرى. وهو من قلة من الصحافيين والإعلاميين التونسيين المخضرمين الذين مارسوا عملهم بحرص كبير على استقلاليتهم في جميع الأزمنة والعهود، فلم يغالوا ولم يستكينوا، من زمن بورقيبة إلى زمن بن علي، مرورا بعشرية الانتقال الديمقراطي، وانتهاء بهذا الزمن “السعيد” الذي تعيشه تونس منذ 25 جويلية 2021 عندما قرر رئيسها قيس سعيد الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي فيها، ذلك المسار الوحيد الذي أفلت من عواصف الربيع العربي وظل صامدا طيلة عشر سنين.
وعلى الرغم من استقلاليته الحزبية والسياسية، إلا أن مسيرة محمد كريشان قد ارتبطت بشكل وثيق، بقيم الحركة الحقوقية والديمقراطية ومبادئها ونضالاتها، تونسيا وعربيا وعالميا، ويبدو هذا الاختيار واضحا وواعيا وثابتا، منذ تجربته الأولى مع صحيفة “الرأي” التي كانت منبر الديمقراطيين التونسيين على اختلاف مرجعياتهم الفكرية وانتماءاتهم الحزبية والسياسية، في ظل نظام فردي تسلطي، وإلى تجربته الراهنة المديدة المستمرة مع قناة الجزيرة، التي ارتبطت منذ تأسيسها بحرصها على المهنية والاستقلالية من جهة، على الانفتاح على الرأي والرأي الآخر، والتزامها بتغطية قضايا الحريات وحقوق الإنسان وعدم مسايرة الأنظمة الاستبدادية المهيمنة على الساحة العربية من جهة أخرى.
ودون تعصب أو مغالاة، تمكن محمد كريشان من نحت معالم شخصية إعلامية تلقى الاحترام لدى جل الأطراف على اختلافها وتنوعها، مرده هذا الالتزام بقضايا الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية من جانب، و من جانب ثان هذا الاحترام لقواعد المهنة الصحفية التي تقتضي قدرا من الحياد والنزاهة والشفافية ومنح الأطراف المعنية في الحكم والمعارضة على السواء مجالا للتعبير عن رأيها وموقفها، مع الحرص على ضمان مستوى رفيع من الحوار وجودة المحتوى ورقي الخطاب واللغة، ولم يكن من السهل على الرجل ممارسة عمله ضمن هذه المحددات الصارمة في واقع تونسي وعربي شديد التعقيد والتناقض، مليء بمعارك كسر العظم ونفي الآخر والعمل على إقصائه بل إفنائه أحيانا.
يرحل بنا محمد كريشان في كتابه التوثيقي لمسيرته المهنية الطويلة، والذي اختار له عنوانا “إذاعيا” يعكس شغفه الكبير بالراديو المحبب إلى قلبه “..يروي.. و إليكم التفاصيل”، في رحلة ثلاثية الأبعاد، البعد الأول فيها هو “الزمان”، حيث السفر معه طيلة أربعة عقود ونيف، فيها الكثير من المستجدات والمتغيرات والأحداث والوقائع، وفيها الأزمات السياسية والحروب العالمية والإقليمية والأهلية، والثورات وسقوط الأنظمة والاحتلالات، وفيها الولادة والحياة والوفاة، أما البعد الثاني فهو “المكان”، ففي الكتاب أسفار عبر الدول والمناطق والقارات، من تونس إلى طرابلس إلى لندن إلى الدوحة إلى القاهرة إلى دمشق والرباط وبغداد ومدن وعواصم كثيرة جدا، أجرى فيها الصحافي حوارات مع أهل السياسة والفكر والثقافة وعاش فيها قصصا طريفة وحكايات تستحق أن تروى، أما البعد الثالث فهو “المعنى”، فبين الزمان المتعاقب والمكان المتعدد يتابع القارئ جملة من المواقف والمعاني والعبر والدروس التي تتراوح بين الذاتي والموضوعي، وبين القطري والقومي والديني، وبين الصحافي المهموم بالخبر والكاتب المهموم بالتحليل والمفكر المشخص للداء والناصح بالدواء.
يتضمن كتاب “محمد كريشان يروي.. و إليكم التفاصيل”، سبعة فصول عناوينها كما يلي: تونس.. فجر الصحافة وليل السياسة، وبدأت الهجرة، العراق ..زيارات ومطبات، فلسطين ..المهنة والوجع، تونس و”الجزيرة”، مع هيكل، دفتر المفارقات والطرائف، ويقع الكتاب في 431 صفحة من الحجم المتوسط، وينتهي بألبوم صور ثري من ضمنها الكثير من الصور التي التقطت للكاتب مع رؤساء دول وحكومات ووزراء ومسؤولين وكبار كتاب ومفكرين، جرى الاتيان على ذكرهم في طيات المذكرات، وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى سنة 2021 عن دار نشر لبنانية هي “جسور للنشر والترجمة”.
إن السيرة المهنية التي دونها محمد كريشان في كتابه هذا، بلغته روائية محببة وأنيقة تذكر قارئها بأسلوب كبار الكتاب الصحفيين العرب كالأستاذ محمد حسنين هيكل، في القدرة على تبسيط العميق، وفي تقديم السهل الممتنع، لهي سيرة ثرية وقد تكون ملهمة لجيل جديد من الصحفيين والإعلاميين الشباب، ممن ستلقى على عاتقهم مهاهم التجديد والاستدامة وضمان الجودة في زمن صعب طغت عليه التفاهة والرداءة، ومرحلة تهدد الصحافة في وجودها، وهنا تكمن أهمية هذه الإضافة التي تتضمن قيمة وشهادة في آن.
ولعل هذه الفقرة المقتطف من هذه السيرة، الواردة في الصفحة 321 من الكتاب، بمقدورها أن تقدم صورة مكثفة وموجزة عن شخصية الكاتب، إذ تقول:” أستأذن الأستاذ محمد حسنين هيكل في اقتباس تعبيره القائل: لست معارضا، لكني مختلف، فأنا لا أملك سوى رأيي ومن حقي أن أعبر عنه” ..هكذا كنت وهكذا سأظل، دون غلو أو استكانة. لن يخيفنا أو يرهبنا أحد فنستنكف عن أن نقول ما نريد أن نقول، فالبلاد ليست مزرعتهم الخاصة ولن تكون”.